حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ (12)
الصَّاحِبُ سَاحِبٌ… فَاخْتَرْ مَنْ يَسْحَبُكَ إِلَى الخَيْرِ
بقلم د. محمود طه
كان هناك شابٌّ يُدعى آسر، وكان شابًّا جميلَ الخُلُقِ والهيئة، نشأ في أسرةٍ بسيطةِ الحال، لكنها كانت أسرةً طيبةً تحرص على التربية والأخلاق.
كان والده الأستاذ رمضان مدرسًا للدراسات الاجتماعية، وكانت والدته الأستاذة خديجة مدرسةً للغة العربية، وكان لآسر أخٌ واحد يُدعى رمضان، يصغره بثلاث سنوات.
نشأ آسر في بيتٍ يعرف معنى العلم والتربية، لكنه، رغم ذلك، انجرف في مرحلةٍ من حياته خلف صحبةٍ لم تكن تعرف للحياة معنى، ولا تُقدِّر للمسؤولية قدرًا.
كان لآسر صديقان يُدعيان أيمن وصابر، وكانا شابين طائشين، يقضيان وقتهما في اللهو، ولا يهتمان بما ينفعهما.
وكان آسر يخرج معهما كل يوم، ويعود إلى البيت سعيدًا بما قضاه معهما من وقت، فقد كان يظن أنهما أصحابُ خير، وأنهما يحبانه ويحرصان على إسعاده.
وكان يقول في نفسه:
— هؤلاء أصدقائي، أجد معهم الراحة والسعادة، ونقضي يومًا جميلًا بعيدًا عن ضغوط الحياة.
لكن أخاه رمضان، رغم صغر سنه، كان شابًّا عاقلًا، جميلَ الخُلُق، محبًّا للقراءة والكتابة، يفهم الحياة بصورةٍ أعمق من عمره.
وفي أحد الأيام، جلس رمضان مع أخيه آسر، وقال له:
— يا أخي، أنا أخاف عليك من هذه الصحبة، فليست كل رفقةٍ خيرًا، وبعض الأصدقاء قد يكونون سببًا في ندم الإنسان وخسارته.
فقال آسر بضيق:
— وما شأنك أنت؟!
فقال رمضان بهدوء:
— أنا أخوك، وأتمنى لك الخير. الصاحب ساحب؛ إما أن يصحبك إلى الخير، وإما أن يسحبك إلى الشر. وأنا أرى أن هذه الصحبة لا تقودك إلا إلى طريقٍ لا تُحمد عاقبته.
اشتد غضب آسر وقال:
— إنتَ إيه اللي فَهَّمَك؟! هو إنت علشان قرأت كلمتين هتعمل فيها علَّامة؟! وبعدين إنت مالك؟ دول صحابي، وأنا بحبهم وهما بيحبوني، وكفاية إنهم بيحاولوا يسعدوني وبنقضي يوم حلو، بدل نظام الأستاذ والأبلة والنظرة وجو النكد اللي إحنا فيه!
نظر إليه رمضان بحزن وقال:
— يا أخي، لن تجد من يحبك ويخاف عليك أكثر من أهلك. نحن قد ننصحك لأننا نريد مصلحتك، وليس لأننا نريد أن نضيّق عليك.
فقال آسر:
— يوووه! زهقت من كلامك!
ثم قال:
— أنا خارج!
وخرج غاضبًا من البيت.
وبينما كان يسير، فوجئ بأَيمن وصابر يقفان معًا ويتحدثان، فحاول أن يتخفى حتى لا يروه، ووقف ليستمع إلى حديثهما.
فقال أيمن:
— تصدق إن المغفل اللي اسمه آسر ده هطلب منه يزوّد الفلوس شوية؟ إحنا بنخرجه معانا كده ببلاش، وده أحلى زبون نقلب منه الفلوس ونخرج ونستمتع!
فضحك صابر وقال:
— عندك حق، ده فعلًا أحلى زبون!
وظل الاثنان يضحكان.
شعر آسر وكأن صاعقةً نزلت على رأسه.
كل الكلمات التي سمعها كانت تهدم الصورة الجميلة التي رسمها لهؤلاء الأشخاص طوال الفترة الماضية.
تقدّم إليهما وقال بغضب:
— زبون؟! أنا زبون عندكم؟!
التفتا إليه في صدمة، وحاول أحدهما أن يبرر موقفه، لكن آسر لم يتمالك نفسه، ودخل معهما في عراكٍ شديد.
واجتمع أهل المنطقة، وتمكنوا من فضِّ الشجار، وابتعد آسر عن أيمن وصابر، لكنه لم يعد إلى البيت.
ظل يمشي وحيدًا، شارد الذهن، يفكر في كل ما حدث.
كان يقول في نفسه:
— كيف لم أكتشف حقيقتهم من قبل؟
— كيف كنت أظن أنهم يحبونني؟
— كيف صدقت ابتساماتهم وكلماتهم؟
— لقد كنت أعيش في وهمٍ كبير!
وظل يمشي حتى وجد نفسه بعيدًا عن منزله، وإذا بصوت الأذان يرتفع من مسجدٍ قريب.
توقف آسر أمام المسجد، ونظر إلى بابه طويلًا.
كان مترددًا.
قال في نفسه:
— كيف أدخل المسجد وأنا بكل هذه الذنوب؟
— هل يقبلني الله بعد كل هذا البعد؟
وبينما كان واقفًا مترددًا، خرج إليه شيخٌ وقور، ونظر إليه بحنان، ثم قال:
— تعال يا أخي، لنصلِّ.
نظر إليه آسر في صمت، ثم دخل معه المسجد.
توضأ، ثم صلى العشاء.
وبعد الصلاة جلس في جانبٍ من المسجد، وقد بدت على وجهه علامات الحزن والهم.
لاحظ الشيخ حاله، فاقترب منه وقال:
— ما بك يا أخي؟ أراك تحمل همًّا كبيرًا. احكِ لي، لعل الله يجعل في الكلام راحةً لقلبك.
حكى له آسر كل ما حدث، وقال:
— يا شيخ، كنت أظن أنهم أصدقائي، وكانوا دائمًا يبتسمون في وجهي، وكنت أشعر بالسعادة عندما أكون معهم، لكنني اكتشفت اليوم أن كل ذلك كان زيفًا وخداعًا، وأنهم لم يكونوا يحبونني، بل كانوا يستغلونني.
ابتسم الشيخ وقال:
— يا بني، هؤلاء هم صحبة الشر، ولكن هل تعلم لماذا كشف الله حقيقتهم لك؟
نظر إليه آسر وقال:
— لماذا يا شيخ؟
قال الشيخ:
— لأن الله يحبك.
تعجب آسر وقال:
— يحبني؟ وأنا الذي ابتعدت عن طريقه؟
فقال الشيخ:
— نعم، لأن الله إذا أراد بعبده خيرًا، أيقظه من غفلته، وقد يكشف له حقيقة بعض الناس حتى ينقذه من طريقٍ كان يسير فيه إلى الهلاك.
ثم قال:
— ربما كنت ترى ما حدث اليوم مصيبة، ولكنه قد يكون أعظم نعمةٍ في حياتك؛ لأنك اكتشفت الحقيقة قبل أن تخسر نفسك ودينك ومستقبلك.
وتابع الشيخ:
— يا بني، لا تنخدع بجمال الدنيا وزينتها، ولا تجعل حبك لها ينسيك الغاية التي خُلقت من أجلها.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
فالله خلقنا لعبادته، ومن تمام العبودية طاعته والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه.
قال الله تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
ثم قال الشيخ:
— والطاعة ليست مجرد كلماتٍ نقولها بألسنتنا، وإنما هي قولٌ وعملٌ وسلوكٌ يظهر في حياتنا.
وتذكر يا بني قول النبي ﷺ:
«مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ».
ثم نظر الشيخ إلى آسر وقال:
— لقد كنت بعيدًا عن الطريق، ولكن الله أراد لك أن تخرج من دائرة الظلام إلى النور. فلا تعتبر ما حدث نهاية حياتك، بل اعتبره بدايةً جديدة.
رفع آسر عينيه إلى الشيخ، وقد امتلأت عيناه بالدموع، وقال:
— وماذا أفعل الآن يا شيخ؟
قال الشيخ:
— ابدأ من جديد. تُب إلى الله، واقطع علاقتك بمن يجرّك إلى الشر، واختر لنفسك رفقةً صالحةً تعينك على الخير، ولا تنظر إلى ما مضى إلا لتتعلم منه.
وأضاف:
— واعلم يا بني أن الإنسان قد يخطئ، لكن الخطأ الحقيقي هو أن يعرف الإنسان طريق الحق ثم يصر على السير في طريق الباطل.
خرج آسر من المسجد وقد تغير شيءٌ كبير في داخله.
لم يعد يرى ما حدث مع أيمن وصابر مجرد خيانةٍ من صديقين، بل رآه رسالةً من الله، أوقظته من غفلته، وأعادته إلى الطريق.
عاد إلى منزله، وطرق الباب.
فتح له أخوه رمضان.
نظر إليه آسر طويلًا، ثم احتضنه وقال:
— سامحني يا أخي.
ابتسم رمضان وقال:
— لا أريد منك إلا أن تكون بخير.
قال آسر:
— كنت مخطئًا، وأنت كنت تحذرني لأنك تحبني، وأنا لم أفهم ذلك.
فقال رمضان:
— المهم أنك فهمت الآن، ونسأل الله أن يثبتك على الخير.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ آسر صفحةً جديدة من حياته، وابتعد عن رفاق السوء، وأصبح أكثر حرصًا على صلاته وعبادته، واختار رفقةً صالحةً تعينه على الخير.
وأدرك أن بعض الأشخاص قد يدخلون حياتنا بابتسامة، لكن ليس كل ابتسامةٍ دليل محبة، وليس كل من يضحك معنا يريد لنا الخير.
العِبْرَةُ
لَيْسَ كُلُّ مَنْ ابْتَسَمَ أَمَامَكَ يُحِبُّكَ،
وَلَا كُلُّ الرِّفْقَةِ رِفْقَةُ خَيْرٍ.
فَالصَّاحِبُ سَاحِبٌ؛ إِمَّا أَنْ يَصْحَبَكَ إِلَى الخَيْرِ، وَإِمَّا أَنْ يَسْحَبَكَ إِلَى الشَّرِّ.
فاحذرْ صُحبةَ السُّوء، واخترْ رفيقَك بعناية؛ لأن الرفيق قد يكون سببًا في نجاتك، وقد يكون سببًا في هلاكك.
وأحيانًا يكشف الله لك حقيقة بعض الناس، لا ليحزنك أو يؤلمك، بل لينقذك منهم، ويعيدك إلى الطريق الصحيح الذي خُلقت من أجله.
فَلَا تَحْزَنْ مِمَّا قَدَّرَهُ اللهُ لَكَ، فَرُبَّمَا كَانَ مَا تَكْرَهُ سَبَبًا فِي نَجَاتِكَ.
فاحمد الله على ما انكشف، وتعلّم ممن خذلك، وتمسّك بمن نصحك، واختر صحبتك بعناية؛ فالصاحب ساحب، ومن أراد النجاة فليصحب أهل الخير.







